يُعد ختم الشركة من الوسائل المهمة التي تُستخدم في اعتماد مستنداتها ومعاملاتها، إذ يُضفي على الوثائق التي يُوضع عليها طابعًا رسميًا، وقد يُفهم منه أن المستند صادر عن الشركة أو معتمد من جانبها. كما يُمثل إحدى الوسائل التي تعكس الهوية الرسمية للشركة في تعاملاتها مع الغير. ولا تقتصر أهميته على كونه أداة تُستخدم في الإجراءات الإدارية، بل تمتد أيضًا إلى تنظيم المراسلات والمستندات المرتبطة بنشاط الشركة، وتيسير معاملاتها التجارية، فضلًا عن تعزيز الثقة في تعاملاتها مع الغير. وتقتضي هذه الأهمية قصر استعمال الختم على الأشخاص المخولين بذلك، حفاظًا على مصالح الشركة وسلامة معاملاتها.
وتتجلى أهمية حماية ختم الشركة من الاستعمال بغير حق فيما قد ينشأ عن ذلك من إيهام الغير بأن المعاملات التي استُخدم فيها قد تمت بعلم الشركة وموافقتها، رغم عدم صدور أي تفويض بشأنها. وقد يؤدي ذلك إلى تعريض الشركة لمنازعات قانونية أو خسائر مالية، فضلًا عن الإضرار بسمعتها ومصالح المتعاملين معها. ولا تقتصر هذه الخطورة على استعمال ختم مزور، بل قد تتحقق أيضًا عند استعمال الختم الأصلي للشركة دون وجه حق.
وتبرز خطورة استعمال الختم بغير حق بصورة خاصة عندما يكون مستعمل الختم أحد موظفي الشركة، ممن تتيح لهم طبيعة عملهم الوصول إليه أو حيازته، إذ قد يستغل الموظف هذه الإمكانية لإجراء معاملات لمصلحته الشخصية، مستفيدًا من ثقة الغير في المستندات التي تحمل ختم الشركة.
ومن هنا يثور التساؤل حول ما إذا كانت مجرد صفة الموظف أو حيازته لختم الشركة تمنحه الحق في استعماله في معاملاته الشخصية، ومتى يشكل هذا الاستعمال جريمة يعاقب عليها القانون؟
نظّم المشرّع القطري مسألة الحماية الجنائية للأختام، وميّز في العقوبات المقررة لاستعمالها بغير حق تبعًا لطبيعة الجهة التي يعود إليها الختم، وذلك بالنظر إلى اختلاف المصالح التي يسعى القانون إلى حمايتها.
وفي هذا الإطار، نصت المادة (212) من قانون العقوبات رقم (11) لسنة 2004 على معاقبة كل من استعمل بغير حق ختم الدولة أو ختم رئيس الدولة أو أحد أختام أو طوابع الإيرادات أو علامات إحدى الجهات المنصوص عليها في المادة (4) من القانون، أو ختم أحد موظفيها، بالحبس مدة لا تجاوز عشر سنوات.
ولبيان نطاق هذه الحماية، أحالت المادة (212) إلى الجهات المنصوص عليها في المادة (4) من القانون ذاته، والتي تشمل الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى، والهيئات والمؤسسات العامة، والجمعيات والمؤسسات الخاصة والجمعيات التعاونية، والشركات إذا كانت إحدى الوزارات أو أحد الأجهزة الحكومية الأخرى أو إحدى الهيئات أو المؤسسات العامة تساهم بنصيب فيها، فضلًا عن أي جهة أخرى ينص القانون على اعتبار أموالها من الأموال العامة.
ويتضح من ذلك أن الحماية المقررة، بالنسبة إلى الشركات، لا تشمل جميع الشركات دون تمييز، وإنما تمتد إلى الشركات التي تساهم فيها إحدى الجهات العامة المشار إليها، ولو كانت هذه المساهمة بنصيب من رأس مالها.
أما الأختام الخاصة بالأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة، فقد أفرد لها المشرّع حكمًا آخر بموجب المادة (213) من قانون العقوبات، التي قررت عقوبة الحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات.
ويمكن تفسير هذا التفاوت في العقوبة باختلاف طبيعة المصالح التي يسعى المشرّع إلى حمايتها، إذ إن استعمال أختام الجهات الحكومية وغيرها من الجهات المشمولة بالحماية الأشد بغير حق قد يؤدي إلى المساس بالثقة في المستندات والمعاملات المنسوبة إليها، والإضرار بمصداقيتها وسمعتها، فضلًا عن احتمال انعكاس ذلك على الثقة في الجهات العامة ومؤسسات الدولة. أما استعمال الأختام الخاصة بالأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة بغير حق، فتتمثل خطورته بصورة أساسية في الإضرار بمصالح أصحابها وسمعتهم، والمساس بحقوق المتعاملين معهم والثقة في معاملاتهم.
ويُعد التناسب بين العقوبة وجسامة الفعل من الاعتبارات المهمة، لا سيما أن استعمال الختم بغير حق لا يكون على درجة واحدة من الخطورة في جميع الحالات، فقد تختلف جسامة الفعل بحسب الغرض من استعمال الختم، وطبيعة المعاملة، والآثار المترتبة عليها. وتجدر الإشارة إلى أن العقوبتين المقررتين في النصين تمثلان الحد الأقصى للحبس، ولا تعنيان بالضرورة توقيع هذه المدة في جميع الحالات، مما يتيح للقاضي، في الحدود المقررة قانونًا، تقدير العقوبة المناسبة وفقًا لظروف كل واقعة وملابساتها.
ومع التسليم بأهمية الحماية الجنائية للأختام، فإن تحديد حد أقصى للعقوبة يبلغ عشر سنوات من الحبس قد يُعد تشديدًا لا يتناسب بالضرورة مع جميع صور استعمال الختم بغير حق، خاصةً أن بعض الوقائع قد تكون محدودة الأثر، في حين قد تنطوي وقائع أخرى على أضرار جسيمة تبرر تشديد العقوبة. ومن ثم، فإن تفاوت خطورة هذه الأفعال يدعو إلى النظر في مدى ملاءمة الحد الأقصى المقرر للعقوبة، بما يحقق التوازن بين الردع والعدالة الجنائية، دون إغفال طبيعة المصالح التي يسعى القانون إلى حمايتها.
وفيما يتعلق باستعمال الموظف لختم الشركة بغير حق، لا يشترط أن يكون قد حصل على الختم بطريقة غير مشروعة، فقد يكون في حيازته بصورة مشروعة بحكم طبيعة عمله، دون أن يعني ذلك تمتعه بصلاحية استعماله في جميع المعاملات. فمجرد صفة الموظف أو حيازته للختم لا تمنحه الحق في استعماله لمصلحته الشخصية، وإنما تتحدد مشروعية ذلك بمدى دخول المعاملة ضمن اختصاصه أو حدود التفويض الممنوح له.
وفي هذا السياق، تناولت محكمة التمييز القطرية هذه المسألة في الطعن رقم (278) لسنة 2012، الصادر بجلسة 17/12/2012، والذي تتلخص وقائعه في قيام موظفة بتحرير طلب لشراء كمية من الهواتف على إحدى أوراق الشركة التي تعمل لديها، ووضع ختم الشركة على الطلب دون تفويض من جهة عملها، رغم أن الشراء كان لمصلحتها الشخصية وليس لمصلحة الشركة.
وقد انتهت المحكمة إلى أن الوقائع التي أوردها الحكم تتوافر بها كافة العناصر القانونية لجريمة استعمال ختم الشركة بغير وجه حق، المعاقب عليها بالمادة (212) من قانون العقوبات، ورفضت ما أثارته الموظفة من اعتراض بشأن عدم توافر أركان الجريمة.
ومن ثم، يتضح أن استعمال الموظف لختم الشركة خارج حدود اختصاصه أو دون تفويض منها قد يرتب مسؤوليته الجنائية، ولو كان الختم في حيازته بصورة مشروعة بحكم وظيفته. ويؤكد ذلك أهمية تنظيم صلاحيات استعمال الأختام داخل الشركات، ووضع الضوابط اللازمة لمنع إساءة استعمالها، حمايةً لمصالح الشركة وحقوق المتعاملين معها.