لما كانت التجارة تمثل عصباً رئيسياً في اقتصاد الدول، فقد حرص المشرّع القطري على تنظيم مختلف المسائل المتعلقة بها، بدءاً من تحديد مفهوم التاجر وماهية الأعمال التجارية، فضلاً عن تنظيم علاقات التجار بعضهم ببعض، والأدوات التي تمكّنهم من مباشرة أعمالهم وضمان حقوقهم.
ولعل من أهم الأعمال التي حرص المشرّع على تنظيمها في التشريعات التجارية المتعاقبة العمليات المصرفية، التي تناولها الفصل السادس من قانون التجارة رقم (27) لسنة 2006، ومن بينها خطاب الضمان البنكي، الذي نظمته المواد من (406) إلى (413).
وقد عرّف المشرّع خطاب الضمان بأنه تعهد مكتوب غير قابل للإلغاء، يصدر من بنك بناءً على طلب عميل له يسمى «الآمر»، بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين إلى شخص آخر يسمى «المستفيد»، إذا طلب المستفيد ذلك خلال المدة المحددة في الخطاب ودون اعتداد بأية معارضة، على أن يوضح في خطاب الضمان الغرض الذي صدر من أجله.
ووفقاً لهذا التعريف، تقوم عملية خطاب الضمان بين ثلاثة أطراف، هم: الآمر، والبنك الضامن، والمستفيد؛ إذ يصدر خطاب الضمان بناءً على طلب الآمر إلى البنك الضامن، ليتعهد الأخير بسداد مبلغ محدد إلى المستفيد خلال أجل معين، بناءً على طلب الأخير ووفقاً لشروط الخطاب.
ولعل الغرض الرئيسي من خطاب الضمان، وفقاً للتعريف الذي حدده المشرّع، يتمثل في كونه وسيلة للحد من المخاطر، بما يضمن للمستفيد الحصول على قيمة الضمان في حال إخلال الآمر بتنفيذ التزاماته. ويكون البنك ضامناً للمستفيد، بحيث يلتزم بأداء قيمة خطاب الضمان إليه دون اعتداد بأية معارضة من الآمر.
غير أنه، مع تعقّد العمليات التجارية وما تتسم به من تطور متسارع، وما يستتبعه ذلك من ضرورة تطوير القواعد المنظمة لها بصورة مستمرة، وحرصاً من المشرّع على مواكبة ما يطرأ على المعاملات والتشريعات التجارية الدولية من تحديثات، فقد نصت المادة (413) من قانون التجارة على مراعاة القواعد السائدة في المعاملات الدولية بشأن خطابات الضمان.
ولعل من أهم التطورات التي طرأت على القواعد المنظمة لخطابات الضمان، وانطلاقاً من السلطة التي منحها المشرّع لمصرف قطر المركزي في إطار رقابته على المؤسسات المالية الخاضعة لإشرافه ووضع الضوابط اللازمة لممارسة أعمالها، وإعمالاً لنص المادة (113)،
صدور تعميم مصرف قطر المركزي رقم (إر. 42/2019) بتاريخ 31 أكتوبر 2019، الموجه إلى جميع البنوك العاملة في دولة قطر، بشأن توحيد صيغة خطابات الضمان عند الطلب، والمرفق به النموذج الموحد المستند إلى القواعد الموحدة للضمانات عند الطلب URDG 758 .
ومفاد ذلك أن القواعد المشار إليها، بما تتضمنه من أحكام، تسري على خطابات الضمان البنكية الصادرة وفقاً للنموذج الموحد، كما يمكن الرجوع إليها باعتبارها مصدراً مهماً للممارسات المصرفية الدولية المتعلقة بالضمانات المستحقة عند الطلب، وذلك في ضوء ما تقرره المادة (413) من قانون التجارة.
وقد نص البند ثانياً من التعميم المذكور على أنه:
«فيما يتعلق بخطابات الضمان القائمة وقت صدور هذا التعميم، يراعى الالتزام بالشروط المتفق عليها، وفي حالة تجديد خطاب الضمان يراعى الالتزام بالنموذج الموحد URDG 758 اعتباراً من تاريخه، إذا ما سمحت شروط خطاب الضمان بذلك، بحيث لا يترتب أي مسؤولية قانونية على البنك أو يؤدي ذلك إلى تعثر أية مديونيات لدى البنك متعلقة بخطاب الضمان".
ولعل من أهم القواعد التي تضمنها النموذج ما ورد في المادة (15) من القواعد الموحدة المشار إليها، من وجوب أن تكون المطالبة المقدمة بموجب خطاب الضمان مدعومة بالمستندات المحددة في الخطاب، وأن تكون مصحوبة ببيان يوضح وجه إخلال الآمر بالتزاماته.
وبناءً على ذلك، يتعين أن تكون مطالبة المستفيد بالوفاء مستوفية للمستندات والبيانات المطلوبة وفقاً لشروط خطاب الضمان والقواعد المنطبقة عليه، ويحق للبنك الضامن الامتناع عن الوفاء متى لم يقدم المستفيد مطالبة مستوفية لتلك المتطلبات.
غير أن حق البنك في رفض المطالبة يظل مقيداً بما تقرره المادة (24) من قواعد URDG 758، التي تلزم البنك الضامن، عند رفض المطالبة، بأن يبيّن في إشعار الرفض جميع أوجه عدم المطابقة التي يستند إليها؛ وإلا امتنع عليه التمسك لاحقاً بأسباب جديدة لم يتضمنها إشعار الرفض.
وعلى ذلك، فإذا قدم المستفيد مطالبة مستوفية للمستندات والبيانات المطلوبة، تعين على البنك الضامن الوفاء بقيمة خطاب الضمان وفقاً لشروطه. أما إذا جاءت المطالبة غير مستوفية لتلك المتطلبات، جاز للبنك رفضها، شريطة أن يوضح في إشعار الرفض جميع أوجه عدم المطابقة خلال المدة المقررة.
ويعد ذلك أحد أبرز التطبيقات العملية لحرص المشرّع القطري والجهات الرقابية المصرفية على مواكبة القواعد السائدة في المعاملات التجارية الدولية.