في إطار العلاقات التعاقدية التي ينظمها القانون المدني، تُعد عقود الوكالة من أكثر العقود تداولًا في المعاملات اليومية، لما تنطوي عليه من ثقة بين الموكل والوكيل، وما تفرضه من التزامات متبادلة.
وقد أفرد المشرع القطري لهذا العقد تنظيمًا خاصًا ضمن باب العقود المسماة في القانون المدني، محددًا من خلاله نطاق الوكالة وأركانها، وحدود تصرف الوكيل، وآثار الإخلال بالتزاماته، باعتبار أن الأصل في هذه العلاقة هو قيام مسؤولية مدنية تعالج بوسائل التعويض أو فسخ العقد أو رد المال إلى موكله، ولا تنتقل العلاقة إلى نطاق المسؤولية الجنائية إلا إذا تجاوز الوكيل حدود الوكالة على نحو ينطوي على اختلاس المال أو تبديده أو استعماله استعمالًا يكشف عن نية الاستيلاء أو التملك غير المشروع.
غير أن الإشكال يثور حين تتداخل أحكام القانون المدني مع أحكام قانون العقوبات، ولا سيما في ضوء ما نصت عليه المادة (362) من قانون العقوبات بشأن جريمة خيانة الأمانة، والتي أدرج المشرع عقد الوكالة ضمن العقود التي قد تنشأ عنها المسؤولية الجنائية على سبيل الاستثناء. ويطرح هذا التداخل تساؤلًا حول الحد الفاصل بين الإخلال التعاقدي الذي يظل في نطاقه المدني، وبين السلوك الذي يخرج العلاقة من نطاق المسؤولية المدنية إلى نطاق المسؤولية الجنائية.
وتزداد أهمية هذا التساؤل في ظل ما تشهده بعض المنازعات المرتبطة بعقود الوكالة من لجوء إلى الطريق الجنائي لمعالجة الخلافات التي يكون أصلها تعاقديًا، الأمر الذي يستوجب ضبط نطاق التجريم، وعدم التوسع في إعمال النصوص الجنائية على حساب القواعد المستقرة في القانون المدني.
وفي هذا السياق، كان لقضاء محكمة التمييز القطرية دور محوري في رسم معالم هذه التفرقة، من خلال ترسيخ قاعدة مفادها أن المسؤولية الجنائية لا تقوم لمجرد الإخلال بعقد الوكالة، مهما بلغت جسامة الضرر أو حجم الخسارة، ما لم يتضمن سلوك الوكيل اعتداءً فعليًا على المال المؤتمن عليه بنية الاستيلاء أو التملك غير المشروع، بما ينقل الفعل من دائرة المسؤولية المدنية إلى نطاق المسؤولية الجنائية.
وفي هذا الصدد، شددت محكمة التمييز على أن جريمة خيانة الأمانة، المنصوص عليها في المادة (362) من قانون العقوبات، هي جريمة ذات أركان محددة، لا تقوم إلا إذا ثبت أن المال قد سُلم إلى الجاني على سبيل الأمانة بموجب أحد العقود التي حددها القانون، ثم قام بالاختلاس أو التبديد أو الاستعمال على نحو يكشف عن نية الاستيلاء على الأموال لحسابه الخاص. أما مجرد تجاوز حدود الوكالة، أو عدم بذل العناية اللازمة في تنفيذها على الوجه الأمثل، أو إلحاق خسارة بالموكل، فلا يكفي بذاته لقيام الركن المادي لجريمة خيانة الأمانة.
وقد استقر قضاء محكمة التمييز في حكمها الصادر في الطعن رقم 333 لسنة 2013 جلسة 2014/3/3 على أن ما وقع من الطاعن على فرض ثبوته لم يتضمن استيلاءً على أموال سُلمت إليه على سبيل الأمانة، وإنما اقتصر على تجاوز حدود الوكالة، الأمر الذي ينتفي معه الركن المادي لجريمة خيانة الأمانة بصورها المختلفة، وتظل العلاقة بين الطرفين علاقة مدنية، ويأتي هذا الحكم في إطار التفرقة بين الخطأ التعاقدي والفعل الجنائي، منعًا من توسيع نطاق التجريم، وبما يتوافق مع المبادئ المستقرة في قانون العقوبات.
وفي هذا الإطار، لا تعد الخسارة سببًا لقيام جريمة خيانة الأمانة، حتى وإن بلغت حدًا من الجسامة، إذ إن قانون العقوبات لا يتدخل لمجرد الإخفاق في إدارة المال محل الوكالة، أو الخطأ في التقدير، طالما ظل المال مخصصًا للغرض الذي سُلم من أجله، ولم يقترن السلوك بنية التملك أو الاختلاس، ويعد هذا التمييز جوهريًا يفرق بين الخسارة التي تقع في إطار العلاقة التعاقدية، وبين التبديد الذي يفترض تصرفًا مخالفًا لطبيعة الأمانة في المال، والذي يقوم على إنكار حق الموكل فيه، ويقطع صلة الوكيل به بوصفه مالًا مملوكًا لغيره.
وفي مقابل ذلك، أكدت محكمة التمييز القطرية في حكم آخر صادر في الطعن رقم 316 لسنة 2013 جلسة 2014/3/3 أن المسؤولية الجنائية تقوم متى ثبت أن الوكيل تسلًم المال بموجب الوكالة، ثم احتجزه أو تصرف فيه لحسابه، أو امتنع عن رده دون سبب مشروع، مما يعد استيلاءً على المال محل الأمانة. ويفهم من هذا القضاء أن العبرة لا تتحدد بشكل العلاقة أو وصفها، وإنما بحقيقة السلوك المادي الذي وقع على المال.
ومن ثم، يتضح أن تجاوز الوكالة لا يعد جريمة في حد ذاته، وإنما يصبح كذلك فقط إذا صاحبه استيلاء فعلي على المال، أو تغيير لطبيعته القانونية من مال مؤتمن عليه إلى مال مملوك للجاني، إذ يكون الفاصل بين المسؤوليتين المدنية والجنائية هو قيام الاعتداء على المال، لا مجرد تحقق الخسارة أو الضرر.
ويعكس هذا النهج القضائي توازنًا دقيقًا بين حماية الحقوق المالية للأفراد، ومنع إساءة استعمال التجريم في النزاعات المدنية، بما يحقق استقرار المعاملات، ويحافظ على خصوصية قانون العقوبات بوصفه قانونًا استثنائيًا لا يمتد أثره خارج نطاق التجريم الحقيقي.