يُعد الحكم الصادر عن دائرة المنازعات الاستثمارية والتجارية بمحكمة التمييز في الطعن رقم (26) لسنة 2026 من الأحكام القضائية المهمة التي أرست مبدأً واضحاً في تحديد الاختصاص القضائي في منازعات التطوير العقاري، إذ أكدت المحكمة أن صفة المطور العقاري لا تثبت بمجرد ممارسة نشاط يتعلق بالعقارات أو إبرام عقود بيع الوحدات العقارية، وإنما تقتضي الحصول على الترخيص القانوني والقيد في سجل المطورين العقاريين وفقاً لأحكام القانون.
وانطلقت المحكمة في ذلك من أحكام القانون رقم (6) لسنة 2014 بشأن تنظيم التطوير العقاري وتعديلاته، والتي اشترطت أن يكون المطور العقاري مرخصاً له بمزاولة أعمال التطوير العقاري، ورتبت على هذا الترخيص آثاراً قانونية، من أهمها القيد في سجل المطورين العقاريين المنشأ لدى الجهة المختصة. ومن ثم، فإن اكتساب صفة المطور العقاري لا يتحقق بمجرد مباشرة أعمال التطوير أو بيع الوحدات العقارية، وإنما باستيفاء متطلبات الترخيص والقيد التي رسمها المشرع، باعتبارها شروطاً جوهرية لا مجرد إجراءات شكلية.
وفي ضوء ذلك، قررت المحكمة أن اختصاص لجنة فض منازعات التطوير العقاري لا ينعقد إلا إذا كان النزاع ناشئاً عن نشاط تطوير عقاري يخضع لأحكام القانون، وكان أحد أطرافه أو كلاهما مطوراً عقارياً مرخصاً ومقيداً في سجل المطورين العقاريين. أما إذا تخلف هذا الوصف القانوني، فإن اختصاص اللجنة ينتفي ولو كان النزاع متعلقاً بمشروع عقاري أو بعقد بيع وحدة عقارية.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، فرّقت المحكمة بين ممارسة النشاط العقاري وبين اكتساب الصفة القانونية للمطور العقاري، مؤكدةً أن الصفة القانونية لا تنشأ بالواقع أو باتفاق الأطراف، وإنما باستكمال الإجراءات التي حددها المشرع. ولذلك، فإن عدم قيد الشركة في سجل المطورين العقاريين الصادر عن الهيئة العامة لتنظيم القطاع العقاري يعد دليلاً على عدم حصولها على الترخيص اللازم، وبالتالي عدم اكتسابها صفة المطور العقاري.
وترتيباً على ذلك، قضت المحكمة بأن المنازعات الناشئة عن العقود التي تبرمها الشركات غير المرخص لها، أو التي لا تكتسب صفة المطور العقاري، لا تدخل في اختصاص لجنة فض منازعات التطوير العقاري، وإنما تخضع للقواعد العامة في الاختصاص القضائي، وينعقد الاختصاص بنظرها لمحكمة الاستثمار والتجارة متى كانت المنازعة ناشئة عن علاقة أو عقد تجاري.
ولا يعد ما انتهت إليه محكمة التمييز في حكمها سالف الإشارة إلا تأكيداً وترسيخاً لحكم المادة (33) من القانون رقم (6) لسنة 2014 بشأن تنظيم التطوير العقاري، التي عقدت الاختصاص بنظر منازعات التطوير العقاري للجنة فض منازعات التطوير العقاري، متى استوفت المنازعة الشروط التي تطلبها القانون، وفي مقدمتها توافر صفة المطور العقاري في أحد أطرافها وقيده بسجل المطورين العقاريين. ومن شأن هذا القضاء أن يعزز اليقين القانوني ويضع حداً لتنازع الاختصاص بين لجنة فض منازعات التطوير العقاري ومحكمة الاستثمار والتجارة، من خلال ربط الخضوع للنظام القانوني الخاص بالتطوير العقاري بتوافر الصفة القانونية التي اشترطها المشرّع لإعمال أحكامه.