أصدرت محكمة قطر الدولية ومركز تسوية المنازعات، بتاريخ 6 يناير 2026، التوجيه الإجرائي رقم (1) لسنة 2026 بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، والذي يضع إطاراً لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الإجراءات أمام المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال ومحكمة التنظيم التابعة للمركز.

‍

ويسري التوجيه على المتقاضين وممثليهم القانونيين وغيرهم من الممارسين القانونيين الذين يمثلون أمام المحكمتين. وقد أكد منذ البداية أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التقاضي أمر مرحب به لما يمكن أن يحققه من خفض للتكاليف وزيادة في الكفاءة، إلا أن استخدامه لا يغير أو يحد من الالتزامات القانونية والمهنية والأخلاقية القائمة على مستخدمي المحكمة.

‍

الحكم الذي سبق صدور التوجيه الإجرائي

‍

جاء التوجيه الإجرائي في أعقاب حكم صادر عن المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال في عام 2025، تناول مذكرات مقدمة في إحدى القضايا استند فيها أحد الأطراف إلى أحكام قُدمت على أنها صادرة عن المحكمة، ثم تبين أنها غير موجودة.

‍

وقد أبرزت هذه القضية أهمية التحقق من صحة الأحكام والمراجع القانونية قبل الاستناد إليها في الإجراءات القضائية، وشكلت جزءاً من السياق الذي سبق صدور التوجيه الإجرائي.

‍

مسؤولية مستخدمي المحكمة عن دقة المعلومات

‍

أكد التوجيه الإجرائي أن مستخدمي المحكمة يظلون مسؤولين عن دقة وموثوقية المعلومات المقدمة إليها، وأن تقديم مواد تتضمن مراجع قانونية مختلقة أو يتعذر التحقق منها يشكل إخلالاً بالواجبات المقررة أمام المحكمة.

‍

كما نبه التوجيه إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تنتج مراجع غير صحيحة، أو تعرض القانون واجب التطبيق بصورة غير دقيقة، كما أنها قد لا تميز بصورة موثوقة بين الأنظمة القانونية المختلفة، بما قد يؤدي إلى الاستناد إلى مبادئ قانونية أجنبية لا صلة لها بالنزاع.

‍

ولهذا، أوجب التوجيه مراجعة والتحقق من الدقة الواقعية والقانونية لأي مادة يتم إنتاجها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قبل استخدامها، كما أوجب التحقق من جميع المراجع القانونية بالرجوع إلى المصادر الأصلية أو قواعد البيانات القانونية المعترف بها. وأوضح أن المحكمة قد تستبعد المذكرات أو المواد التي تتضمن قضايا أو تشريعات وهمية، أو وقائع لا تستند إلى الأدلة المقدمة، مع احتفاظها باتخاذ إجراءات إضافية عند الاقتضاء.

‍

استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد الأدلة

‍

وضع التوجيه قيداً واضحاً على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بالأدلة، إذ نص على عدم جواز استخدامها لإنشاء الأدلة، وحظر طلب إنشاء أدلة مصطنعة أو التلاعب بالأدلة من خلال هذه الأدوات.

‍

وفيما يتعلق بالأدلة المرئية أو الصوتية التي يتم إنشاؤها أو تحسينها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط، أوجب التوجيه على مقدمها الإفصاح بوضوح عن استخدام تلك التقنية ومصدرها. كما أجاز استبعاد أي مادة يُشتبه في كونها مزيفة أو تم التلاعب بها دون الإفصاح عن ذلك، والتحقيق بشأنها.

‍

السرية وحماية المعلومات

‍

أولى التوجيه الإجرائي أهمية خاصة للمحافظة على السرية وحماية المعلومات عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

‍

فقد حظر إدخال المعلومات السرية أو المشمولة بالامتياز القانوني أو غيرها من المعلومات المحمية في أدوات الذكاء الاصطناعي، إلا عند استخدام منصات خاصة وآمنة. كما شجع مستخدمي المحكمة، متى كان ذلك ممكناً، على تعطيل خاصية حفظ سجل المحادثات أو استخدام إعدادات توفر حماية أكبر للخصوصية.

‍

وأكد التوجيه أن إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على نحو يؤدي إلى الإخلال بالسرية قد يترتب عليها توقيع الجزاءات أو اتخاذ التدابير المناسبة.

‍

استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد الحزم الإلكترونية

‍

تناول التوجيه كذلك استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنشاء أو تنظيم الحزم الإلكترونية للمستندات (eBundles)، وأوجب على الأطراف التأكد من صحة فهرسة المستندات وترقيم صفحاتها وصلتها بالنزاع.

‍

وتظل مسؤولية دقة واكتمال الحزمة الإلكترونية على عاتق الطرف الذي يقدمها، كما يجب أن تتوافق الحزم الإلكترونية مع المتطلبات الواردة في الفصل (16) من دليل المستخدم الخاص بالمحكمة (Maroon Book).

‍

الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي

‍

لا يفرض التوجيه الإجرائي التزاماً عاماً بالإفصاح المسبق عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد المستندات أو المذكرات المقدمة إلى المحكمة، ما لم تطلب المحكمة ذلك صراحة.

‍

ومع ذلك، يجوز للمحكمة أن تقرر أن مقتضيات العدالة أو حسن سير الإجراءات تستوجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي للمحكمة أو للأطراف الأخرى. وفي هذه الحالة، يجب أن يكون مستخدم المحكمة مستعداً لتحديد الأجزاء التي تم إعدادها باستخدام محتوى مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي وبيان كيفية التحقق من صحة المخرجات، وللمحكمة أن تطلب تقديم إيضاح أو إفادة مشفوعة باليمين بهذا الشأن.

‍

ويختلف ذلك عن الأدلة المرئية أو الصوتية التي يتم إنشاؤها أو تحسينها باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث أوجب التوجيه الإفصاح عن استخدام التقنية ومصدرها عند تقديم تلك الأدلة.

‍

الآثار المترتبة على الاستخدام غير السليم للذكاء الاصطناعي

‍

حدد التوجيه الإجرائي بصورة صريحة عدداً من النتائج التي قد تترتب على الاستخدام غير السليم أو المضلل لأدوات الذكاء الاصطناعي.

‍

وبحسب طبيعة المخالفة وظروفها، يجوز للمحكمة استبعاد المذكرات أو الأدلة المتأثرة كلياً أو جزئياً، وإصدار أوامر بشأن المصروفات ضد الطرف المعني، وإحالة المسألة إلى الجهات المهنية المختصة، فضلاً عن اتخاذ إجراءات ازدراء المحكمة متى كان ذلك مناسباً.

‍

ويأتي ذلك متسقاً مع حكم المحكمة الصادر في عام 2025 والمشار إليه أعلاه، والذي أكد أهمية التحقق من صحة الأحكام والمراجع القانونية قبل الاستناد إليها في الإجراءات القضائية.

‍

الخاتمة

‍

لا يمنع التوجيه الإجرائي رقم (1) لسنة 2026 استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التقاضي أمام المحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال ومحكمة التنظيم، بل يقر بما يمكن أن توفره هذه الأدوات من فوائد في خفض التكلفة وزيادة الكفاءة. وفي المقابل، يؤكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يغير المسؤوليات القانونية والمهنية والأخلاقية القائمة على مستخدمي المحكمة.

‍

ويقوم الإطار الذي وضعه التوجيه بصورة أساسية على التحقق من صحة ودقة المواد المنتجة باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتحقق من المراجع القانونية من مصادر موثوقة، والمحافظة على سرية المعلومات، والالتزام بمتطلبات الإفصاح عند انطباقها. وتظل المسؤولية عن المواد المقدمة إلى المحكمة على عاتق مستخدم المحكمة، بصرف النظر عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعدادها.

‍

تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.