تُعد الشركة  ذات المسؤولية المحدودة من أكثر الأشكال القانونية شيوعًا في المعاملات  التجارية، لما تقوم عليه من مبدأ استقلال الشخصية الاعتبارية عن الشركاء فيها.  ويترتب على هذا الاستقلال أن تكون للشركة ذمة مالية مستقلة، فتعد شخصًا قانونيًا  قائمًا بذاته، تملك الأموال باسمها، وتبرم العقود، وتباشر التقاضي، وتتحمل  الديون تحت اسمها. ويهدف هذا التنظيم إلى حماية الشركاء من امتداد الالتزامات  الناشئة عن نشاط الشركة إلى أموالهم الخاصة، بحيث تبقى مسؤوليتهم كأصل عام  محصورة في حدود حصصهم في رأس المال.

 

غير أن هذا المبدأ، على أهميته، ليس  مطلقًا، إذ يتدخل المشرع في حالات معينة لحماية الدائنين عند تعرض رأس مال  الشركة لخسائر جسيمة. والأصل عدم مسؤولية الشركاء أو المديرين في أموالهم  الخاصة، باعتبار أن رأس المال يمثل الضمان العام للدائنين، إلا أن القانون أوجب  على المديرين دعوة الشركاء خلال ثلاثين يومًا متى بلغت الخسائر نصف رأس المال، وجعل  إهمال هذه الإجراءات سببًا لامتداد المسؤولية إلى أموالهم الخاصة عن الديون التي  تنشأ نتيجة ذلك. ويثور  التساؤل في هذا السياق: هل يكفي مجرد بلوغ الخسائر نصف رأس المال لقيام  المسؤولية الشخصية؟ أم أن المسؤولية لا تقوم إلا إذا ترتب على الإهمال نشوء  التزامات جديدة على الشركة؟

 

وتزداد أهمية هذا التساؤل في ظل ما  تشهده بعض المنازعات من خلطٍ بين مبدأ المسؤولية المحدودة وبين الحالات  الاستثنائية التي يجيز فيها القانون الرجوع على المديرين أو الشركاء في أموالهم  الخاصة. إذ قد يختلط الأمر على بعض الدائنين فيفهم أن مجرد إخلال الشركة بالتزاماتها  أو بلوغ خسائرها حدًا معينًا يرتب مسؤولية شخصية تلقائية على المديرين أو  الشركاء، وهو ما يستدعي ضبط نطاق هذا الاستثناء بما يحقق التوازن بين حماية  الدائنين وعدم إهدار المبدأ العام.

 

وفي هذا السياق، كان لقضاء محكمة  التمييز القطرية دور في تحديد نطاق هذه المسؤولية، إذ أكدت في تفسيرها لأحكام  المادة (298) من قانون الشركات رقم 11 لسنة 2015، أن المسؤولية لا تقوم لمجرد  بلوغ خسائر الشركة نصف رأس مالها، ولا يكفي فيها مجرد الإهمال، بل يشترط أن  يترتب على ذلك استمرار الشركة في النشاط ونشوء التزامات جديدة بسبب هذا الإهمال.  فالمسؤولية ترتبط بوجود علاقة سببية بين الإهمال والالتزامات محل المطالبة، بحيث  تكون هذه الالتزامات قد ترتبت مباشرة نتيجة استمرار نشاط الشركة الناشئ عن إهمال  المديرين أو الشركاء في اتخاذ الإجراءات التي أوجبها القانون.

 

وفي هذا الصدد، قضت محكمة التمييز في  حكمها الصادر في الطعن رقم 204 لسنة 2024  جلسة 27/2/2024 بأن الديون السابقة على بلوغ خسائر الشركة نصف رأس  مالها لا تعد من الالتزامات الناتجة عن الإهمال المقصود في المادة (298)، ولا  يجوز تحميل المديرين أو الشركاء المسؤولية الشخصية، ما لم يثبت أن تلك الديون قد  ترتبت بسبب استمرار الشركة في النشاط دون اتخاذ ما يلزم لمعالجة الخسائر.

ويُفهم من هذا القضاء أن المسؤولية  الاستثنائية لا تقوم لمجرد تحقق الخسارة أو ثبوت الإهمال في ذاته، وإنما يشترط  أن تكون الالتزامات محل المطالبة قد ترتبت بسبب استمرار الشركة في النشاط دون  اتخاذ الإجراءات التي أوجبها القانون. فالمقصود من النص ليس تحميل المديرين أو  الشركاء جميع ديون الشركة عند تعثرها، وإنما قصر المسؤولية على الديون التي نشأت  نتيجة هذا الإهمال.

 

ومن ثم، يتضح أن بلوغ الخسائر نصف  رأس المال لا يعد سببًا كافيًا لامتداد المسؤولية إلى الأموال الخاصة، ما لم  يثبت أن الدين نشأ نتيجة هذا الإهمال. وبذلك يتحقق التوازن بين حماية الدائنين  عند استمرار النشاط دون معالجة الخسائر، وبين الإبقاء على مبدأ المسؤولية  المحدودة في حدوده التي رسمها المشرع.

 

كما أن للدائنين إمكانية الرجوع على  المديرين أو الشركاء في أموالهم الخاصة متى ثبت أن الالتزامات محل المطالبة قد  نشأت بعد بلوغ خسائر الشركة نصف رأس مالها، وأن استمرار نشاطها كان ناشئًا عن  إهمالهم في اتخاذ الإجراءات التي أوجبها القانون. فالعبرة لا تتعلق بمجرد تعثر  الشركة، وإنما بثبوت أن الدين كان وليد هذا الإخلال، وفي هذه الحالة يمتد أثر  المسؤولية إليهم شخصيًا.

 

وفي ضوء ما تقدم، يتبين أن هذه  المسؤولية لا تمثل خروجًا على مبدأ المسؤولية المحدودة، وإنما استثناءً مقيدًا  بشروط حددها القانون. فمتى توافرت العلاقة السببية بين الإهمال والالتزامات محل  المطالبة، جاز للدائنين الرجوع على أموال المديرين أو الشركاء، أما إذا انتفت  هذه الشروط، بقيت المسؤولية محصورة في ذمة الشركة وحدها. وبذلك يستقر المعيار  الفاصل بين التعثر العادي الذي تتحمله الشركة، وبين الإخلال الذي يبرر امتداد  المسؤولية.

 

تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.