في إطار العلاقات التعاقدية التي ينظمها القانون المدني، تنعقد العقود بمجرد توافق إرادتي الطرفين، دون حاجة إلى شكل معين، باعتبار أن التراضي هو الأساس الذي تقوم عليه العلاقة التعاقدية. إلا أن المشرع قد يتدخل في بعض التصرفات، فيفرض شكلاً محدداً لانعقادها، تحقيقاً لاعتبارات تتعلق بحماية المتعاقدين والغير واستقرار المعاملات.

وقد أقر المشرع في المادة (91) من القانون المدني أن “لا يلزم لانعقاد العقد حصول الرضاء في شكل معين ما لم يقضِ القانون بغير ذلك”، فإذا فرض القانون شكلاً معيناً لانعقاد العقد ولم يُراع هذا الشكل، وقع العقد باطلاً، بما مؤداه أن الرضائية تمثل الأصل في العقود، بينما تُعد الشكلية استثناءً يفرضه القانون في بعض التصرفات.

غير أن الإشكالية تثور حول مدى اعتبار الشكلية وسيلة لحماية استقرار المعاملات وتحقيق المصلحة العامة، أو ما إذا كان التشدد فيها قد يؤدي إلى تقييد إرادة الأطراف رغم تحقق التراضي بينهم.

ويقصد بالشكلية في العقود أن يشترط القانون استيفاء مظهر أو إجراء معين لانعقاد التصرف القانوني أو لترتيب آثاره، كاشتراط الكتابة أو التوثيق أو التسجيل، بحيث لا يكتفي في هذه الحالة بمجرد توافق الإرادتين، وإنما يتطلب المشرع استكمال الشكل الذي حدده القانون.

وفي هذا الإطار، لم يقتصر فرض الشكلية في بعض العقود على مجرد تنظيم إجراءات التعاقد، وإنما يستهدف المشرع من خلالها تحقيق غايات تتعلق بحماية المتعاقدين والغير، وضمان استقرار المعاملات، وتوفير قدر من الجدية والوضوح في التصرفات القانونية.

كما أن الشكلية قد تتمثل في الكتابة، أو التوثيق، أو التسجيل، أو القيد، وذلك بحسب طبيعة التصرف القانوني والغاية التي يستهدفها المشرع من فرضها. فبعض التصرفات يكتفي فيها المشرع بالكتابة لإثبات الحقوق، بينما يشترط في تصرفات أخرى التوثيق أو التسجيل باعتبارهما ركناً لازماً لانعقاد التصرف أو لنشوء الحق القانوني المترتب عليه.

وفي هذا السياق، أوجب المشرع في بعض العلاقات التعاقدية استيفاء شكلية معينة، كما هو الحال في عقود الشركات، إذ نصت المادة (6) من قانون الشركات التجارية على وجوب أن يكون عقد الشركة وكل تعديل يطرأ عليه مكتوباً باللغة العربية وموثقاً، وإلا كان العقد أو التعديل باطلاً، بما يعكس تشدد المشرع في بعض التصرفات التي تتطلب قدراً أكبر من الحماية والاستقرار.

وقد استقر قضاء محكمة التمييز في حكمها الصادر في الطعن رقم 352 لسنة 2016 جلسة 7/2/2017 على أن الشكلية التي يفرضها القانون في بعض التصرفات تتصل بالنظام العام، وأن تخلف الشكل المحدد قانوناً يترتب عليه بطلان التصرف وانعدامه، بما لا يرتب أي أثر قانوني.

كما تختلف الآثار القانونية المترتبة على عدم مراعاة الشكلية بحسب طبيعة التصرف والنص المنظم له، إذ قد يؤدي ذلك إلى بطلان العقد أو انعدامه، أو إلى عدم نشوء الحق القانوني المترتب عليه.

وفي هذا الصدد، نصت المادة (163) من القانون المدني على أن العقد الباطل لا ينتج أي أثر، ويجوز لكل ذي مصلحة التمسك ببطلانه، كما يجوز للمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها، بما يعكس ارتباط بعض صور الشكلية بالنظام العام.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه، إذ قررت أن الشكلية التي يفرضها القانون في بعض العقود تتعلق بالنظام العام، وأن تخلفها يؤدي إلى انعدام التصرف وعدم ترتيب أي أثر قانوني عليه، حتى ولو تحقق التراضي بين الأطراف، باعتبار أن المشرع يستهدف من فرضها حماية المصلحة العامة واستقرار المعاملات.

ويظهر ذلك بصورة واضحة في التصرفات المتعلقة بالشركات، إذ اعتبرت محكمة التمييز أن الرسمية ركن شكلي لازم لانعقاد بعض التصرفات المتعلقة بالشركة ذات المسؤولية المحدودة، وأن التنازل عن الحصص إذا لم يتم في محرر رسمي وفقاً للإجراءات القانونية المقررة، وقع باطلاً بطلاناً مطلقاً لتعلقه بالنظام العام، بما لا يرتب أي أثر قانوني.

كما يتضح اختلاف أثر تخلف الشكلية بحسب طبيعة التصرف، كما هو الحال في التصرفات العقارية، إذ أوجب قانون تنظيم السجل العقاري تسجيل أو قيد التصرفات المتعلقة بالحقوق العينية العقارية، ورتب على عدم التسجيل أو القيد عدم نشوء الحق أو انتقاله وعدم ترتيب أي أثر قانوني له، سواء بين ذوي الشأن أو بالنسبة للغير.

ويستفاد من ذلك أن الشكلية في بعض التصرفات لا تقتصر على مجرد تنظيم وسائل الإثبات، وإنما تمتد لتكون شرطاً لازماً لانعقاد التصرف أو لنشوء الحق القانوني ذاته، وهو ما يعكس اتجاه المشرع إلى تغليب اعتبارات الاستقرار القانوني وحماية الغير على مجرد تحقق الإرادة بين الأطراف.

ويعكس ذلك حرص المشرع على تحقيق التوازن بين سلطان الإرادة من جهة، ومتطلبات النظام العام واستقرار المعاملات من جهة أخرى، بما يضمن وضوح التصرفات القانونية وحماية المراكز القانونية للأطراف والغير.

ومن ثم، يتضح أن الشكلية في بعض العقود لم تعد مجرد إجراء تنظيمي، وإنما أصبحت في بعض التصرفات ركناً جوهرياً يترتب على تخلفه البطلان أو عدم نشوء الحق القانوني. ويعكس ذلك اتجاه المشرع إلى تحقيق التوازن بين احترام إرادة الأطراف من جهة، وحماية استقرار المعاملات والمصلحة العامة من جهة أخرى، بما يضمن وضوح التصرفات القانونية واستقرار المراكز القانونية للأفراد والغير.

تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.