في ظل ما يشهده العالم من تطورات إقليمية متسارعة، تأثرت العديد من الأنشطة التجارية والعقود الدولية في دولة قطر، مما أدى إلى صعوبة تنفيذ بعض الالتزامات التعاقدية. ويثور التساؤل في هذا السياق حول ما إذا كانت هذه الأحداث تشكل قوة قاهرة تعفي المدين من المسؤولية، أم أنها تعد ظرفًا طارئًا يترتب عليه تعديل الالتزام دون سقوط المسؤولية؟

وفي هذا الإطار، لا بد من الرجوع إلى أحكام القانون المدني القطري التي نظمت مسألة القوة القاهرة وأثرها على الالتزامات التعاقدية. ويقصد بالقوة القاهرة كل حادث خارجي لا يد للمدين فيه، لا يمكن توقعه عند إبرام العقد، ولا يمكن دفعه أو تفادي آثاره، ويترتب عليه استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة.

ويتفق ذلك مع ما يُفهم من نصوص القانون، حيث تتمثل القوة القاهرة في وقوع سبب أجنبي لا يد للمدين فيه يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة، فينقضي الالتزام وتنتفي المسؤولية.

كما يتضح أن القوة القاهرة تقوم على شروط أساسية، من أهمها أن يكون الحادث غير ممكن التوقع، ومستحيل الدفع، وأن يترتب عليه استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة، بحيث لا يكون في مقدور المدين تنفيذ التزامه بأي وسيلة.

وقد نظم القانون المدني القطري رقم (22) لسنة 2004 هذه المسألة من خلال عدد من النصوص، إذ تشير المادة (204) إلى انتفاء مسؤولية المدين عن التعويض إذا أثبت أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي، كالقوة القاهرة. كما تقضي المادة (188) بأنه في العقود الملزمة للجانبين، إذا أصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً لسبب أجنبي، يترتب على ذلك انقضاء الالتزام وانفساخ العقد بقوة القانون، مع انتفاء مسؤولية المدين عن التعويض لعدم قيام الخطأ في جانبه.

ويختلف أثر القوة القاهرة بحسب طبيعة الاستحالة؛ فإذا كانت الاستحالة مؤقتة اقتصر أثرها على وقف تنفيذ الالتزام إلى حين زوال المانع، أما إذا كانت دائمة فإنها تؤدي إلى انقضاء الالتزام وانفساخ العقد. ومع ذلك، لا يُعفى المدين من المسؤولية إذا كان قد تأخر في تنفيذ التزامه قبل وقوع القوة القاهرة، أو إذا تحمّل مخاطرها بموجب الاتفاق.

أما إذا لم يصل الأمر إلى حد الاستحالة المطلقة، وإنما أصبح تنفيذ الالتزام مرهقًا نتيجة ظروف استثنائية غير متوقعة، فإن ذلك يندرج في إطار نظرية الظروف الطارئة التي نظمتها المادة (171)، والتي تخول القاضي سلطة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول تحقيقًا للتوازن بين مصلحة الطرفين.

وفي هذا السياق، أكدت محكمة التمييز القطرية في حكمها الصادر في الطعن رقم 134 لسنة 2015 جلسة 26/5/2015 أن الظرف الاستثنائي لا يعد قوة قاهرة تنتفي معها المسؤولية إلا إذا كان غير ممكن التوقع ومستحيل دفعه. كما قضت في حكمها الصادر في الطعن رقم 737 لسنة 2021 جلسة 28/12/2021 بأن انفساخ العقد يتحقق إذا أصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً لسبب أجنبي، مع التمييز بين القوة القاهرة والظرف الطارئ الذي يجيز للقاضي رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. وعلى هذا الأساس، لا يكفي مجرد وقوع ظرف استثنائي لاعتباره قوة قاهرة، ما لم يبلغ من الجسامة ما يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً.

ومن ثم، فإن التمييز بين القوة القاهرة والظرف الطارئ يظل قائمًا بحسب أثر الظرف الاستثنائي في تنفيذ الالتزام. فإذا كان الظرف غير ممكن التوقع ومستحيل الدفع وجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، أمكن اعتباره قوة قاهرة يترتب عليها انقضاء الالتزام. أما إذا اقتصر أثره على جعل تنفيذ الالتزام مرهقًا دون أن يبلغ حد الاستحالة، فإنه يندرج في إطار الظروف الطارئة التي تجيز تعديل الالتزام دون انقضائه.

وفي ضوء ما تقدم، يتبين أن التطورات الإقليمية التي قد تنعكس على الأنشطة التجارية في دولة قطر لا تعد قوة قاهرة بمجرد وقوعها، وإنما يتوقف الأمر على مدى تأثيرها في تنفيذ الالتزام التعاقدي. فإذا بلغ أثرها حد استحالة التنفيذ أمكن اعتبارها قوة قاهرة يترتب عليها انقضاء الالتزام، أما إذا اقتصر أثرها على جعل التنفيذ مرهقًا دون أن يبلغ حد الاستحالة، فإنها تندرج في إطار الظروف الطارئة التي تجيز تعديل الالتزام دون سقوطه، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالتجارة أو النقل أو توريد السلع، والتي قد تتأثر بهذه الظروف بدرجات متفاوتة.

تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.