بين حماية الحرية الشخصية وضمان سير العدالة، تُعد الحرية الشخصية من أبرز الحقوق التي كفلها الدستور، باعتبارها الأصل الذي لا يجوز المساس بها إلا في الحدود التي يقتضيها القانون. غير أن مقتضيات التحقيق وحماية المجتمع قد تستلزم في بعض الحالات، تقييد هذه الحرية من خلال الحبس الاحتياطي.

وقد أقر الدستور القطري في المادة (39) “أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته أمام القضاء في محاكمة توفر له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع"، بما مؤداه أن الأصل في الإنسان البراءة إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي.

وفي المقابل، أجاز قانون الإجراءات الجنائية للنيابة العامة حبس المتهم احتياطياً إذا تبين، بعد استجوابه أو في حالة هربه، أن الدلائل كافية على نسبة الجريمة إليه، كما نظم القانون مسألة الحبس الاحتياطي وتمديده، محدداً الجهات المختصة ومدد الحبس وضوابطه.

غير أن الإشكالية تثور حول مدى بقاء التمديد في الحبس الاحتياطي إجراءً احترازياً مشروعاً، أو ما إذا كان التوسع فيه قد يجعله يقترب عملياً من فكرة العقوبة قبل صدور حكم بالإدانة.

وفي هذا الإطار، لم يجز المشرع الحبس الاحتياطي باعتباره إجراءً عقابياً، وإنما قرره لاعتبارات تتعلق بضمان سير العدالة وحماية المجتمع وسلامة التحقيق، وذلك من خلال منع المتهم من الهرب أو التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة أو القيام بأي تصرف قد يعرقل إجراءات التحقيق.

كما أن اللجوء إلى الحبس الاحتياطي لا يكون إلا في الحالات التي تتوافر فيها دلائل كافية على نسبة الجريمة إلى المتهم، الأمر الذي يعكس حرص المشرع على عدم التوسع في تقييد الحرية الشخصية إلا في الحدود التي تقتضيها مصلحة التحقيق.

وقد نظم المشرع في المادة (117) من قانون الإجراءات الجنائية ضوابط ومدد الحبس الاحتياطي والجهات المختصة بتمديده، إذ أجاز للنيابة العامة إصدار أمر الحبس لمدة أربعة أيام قابلة للمد لمدة مماثلة، كما أجاز في بعض الجرائم التي من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني أن تكون مدة الحبس ثمانية أيام قابلة للمد لمدة مماثلة. فإذا استلزمت مصلحة التحقيق استمرار الحبس بعد انقضاء هذه المدد، وجب عرض الأمر على أحد قضاة المحكمة الابتدائية المختصة للنظر في مد الحبس لمدة لا تجاوز ثلاثين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو لمدد مماثلة، أو الإفراج عن المتهم بكفالة أو بغير كفالة، مع خضوع التمديد اللاحق للرقابة القضائية وفق الحدود والضوابط التي رسمها القانون. كما أجاز المشرع في الجنايات، مد الحبس الاحتياطي لمدة خمسة وأربعين يوماً قابلة للتجديد لمدة أو لمدد مماثلة بقرار من المحكمة الجنائية المختصة، وذلك متى استلزمت مصلحة التحقيق استمرار الحبس، مع مراعاة ألا تتجاوز مدة الحبس نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة.

وامتداداً لذلك، فإن مدد الحبس الاحتياطي قد تستمر بالتجديد كلما اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، الأمر الذي قد يؤدي عملياً إلى بقاء المتهم محبوساً لفترات طويلة قبل الفصل النهائي في الدعوى، رغم ما أحاطه المشرع من رقابة قضائية وضوابط قانونية تهدف إلى منع التوسع غير المبرر في هذا الإجراء الاستثنائي.

وفي المقابل، قد يترتب على استمرار الحبس الاحتياطي آثار سلبية تمس المتهم على الصعيد النفسي والاجتماعي والمهني، إذ قد يؤدي إلى الإضرار بسمعته وتشويه صورته أمام المجتمع، فضلًا عما قد يترتب عليه من آثار نفسية تمتد إلى أسرته، لا سيما إذا كان المعيل الرئيسي لها.

كما قد يؤثر الحبس الاحتياطي على الحياة المهنية للمتهم، بما قد يصل إلى فقدانه لعمله أو تعطّل مستقبله الوظيفي، خصوصاً في الحالات التي تنتهي فيها الدعوى بالبراءة، الأمر الذي قد يترك آثاراً ممتدة على حياته الاجتماعية والمهنية، رغم عدم صدور حكم بإدانته.

ومن الناحية الواقعية، قد يُنظر إلى الحبس الاحتياطي باعتباره نوعاً من الردع المؤقت أو وسيلة تحقق قدراً من الإحساس بالإنصاف لدى بعض المتضررين، لا سيما في القضايا الجسيمة التي قد يرى بعض المتضررين أن العقوبة الصادرة فيها لا تتناسب مع حجم الضرر الواقع عليهم.

وقد يترسخ هذا الإحساس لدى بعض المتضررين كلما طالت مدة الحبس الاحتياطي، بما يولد لديهم شعوراً بتحقق قدر من العدالة، رغم أن الأصل القانوني للحبس الاحتياطي يظل مرتبطاً بمصلحة التحقيق وحماية المجتمع، لا بفكرة العقوبة أو الجزاء المسبق.

وفي هذا الصدد، لا خلاف على أن المجتمع يحتاج إلى الحماية، لا سيما في القضايا الجسيمة التي قد يترتب على الإفراج فيها الإضرار بسير التحقيق أو بسلامة المجتمع، كما أن التحقيق الجنائي يحتاج إلى ضمانات تكفل الوصول إلى الحقيقة دون تأثير على الأدلة أو الشهود.

غير أن التوسع في التمديد يجب أن يظل مسبباً ومبرراً وخاضعاً للرقابة القضائية، ومرتبطاً بضرورة حقيقية تقتضيها مصلحة التحقيق. أما التوسع غير المبرر في الحبس الاحتياطي، فقد يمس قرينة البراءة والحرية الشخصية للمتهم، لا سيما في الحالات التي تنتهي فيها الدعوى بثبوت براءته، وما يترتب على ذلك من آثار تمس حياته الاجتماعية والمهنية.

ويعكس ذلك حرص المشرع على تحقيق التوازن بين مقتضيات حماية المجتمع وضمان حسن سير التحقيق، وبين احترام الحرية الشخصية وقرينة البراءة، بما يكفل عدم تحول الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي استثنائي إلى عقوبة تسبق صدور الحكم بالإدانة

تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.