لم تعد المحررات الإلكترونية اليوم استثناءً في المعاملات، بل أصبحت الوسيلة الغالبة في التعاقد، والمراسلات، وإدارة الالتزامات المدنية والتجارية. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال المطروح هو: هل يمكن الاعتداد بالمحرر الإلكتروني؟ بل أصبح: متى، وكيف، وبأي شروط يمكن الاحتجاج به أمام القضاء؟

منذ صدور قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية رقم (16) لسنة 2010، تبنّى المشرّع القطري موقفاً واضحاً يقوم على مبدأ التكافؤ الوظيفي بين المحرر الإلكتروني والمحرر الورقي. فلم يعد الشكل الإلكتروني سبباً لرفض الدليل، متى كان المحرر قابلاً للحفظ، والرجوع إليه، وثبتت سلامته ونسبته إلى من صدر عنه.

غير أن هذا الاعتراف لم يكن مطلقاً أو غير مشروط، بل ارتبط بجملة من الضمانات الفنية والقانونية التي تهدف إلى تحقيق الثقة في الدليل الإلكتروني، دون التفريط في متطلبات العدالة الإجرائية. فالحجية هنا لا تستمد من الوسيط الإلكتروني ذاته، وإنما من سلامة منظومة الإنشاء والحفظ والنقل.

وقد عكس قضاء محكمة التمييز هذا التوجّه بوضوح. ففي عدد من أحكامها، أكدت المحكمة أن الوثيقة الإلكترونية تتمتع بذات القيمة القانونية للمحررات التقليدية، متى ثبت أنها محفوظة بطريقة تضمن عدم التلاعب بمحتواها، وإمكانية الرجوع إليها عند الحاجة، وأنها منسوبة إلى أطرافها بصورة موثوقة.

وفي الطعن رقم 79 لسنة 2023، قدّمت المحكمة معالجة دقيقة لمعيار الاعتداد بالمحرر الإلكتروني، حيث قررت أن العبرة ليست بالشكل، بل بسلامة الوسيلة، وأن الوثيقة الإلكترونية لا تفقد حجيتها لمجرد كونها صورة، طالما كانت محفوظة ضمن نظام إلكتروني يضمن ثبات محتواها. كما أكدت أن للمحكمة سلطة تقديرية كاملة في وزن هذا الدليل، ولها أن تطرحه إذا لم تطمئن إلى ظروف إنشائه أو حفظه.

ويكتسب هذا المبدأ أهمية عملية بالغة، لأنه ينقل مركز الثقل من مجرد تقديم المستند، إلى إثبات سلامة منظومته الفنية. فلم يعد كافياً التمسك برسالة بريد إلكتروني أو مستخرج رقمي، بل أصبح لزاماً على من يتمسك به أن يكون قادراً على إثبات موثوقيته الفنية عند المنازعة.

وفي المقابل، شددت المحكمة على أن مجرد جحد الخصم للمحرر الإلكتروني لا يؤدي بذاته إلى إسقاط حجيته، متى ثبت تبادله ونسبته وفق الضوابط القانونية. وهو ما يعزز استقرار المعاملات الرقمية، ويمنع إساءة استخدام الدفع الشكلي بالجحد لإهدار الأدلة.

الاستثناءات الواردة على الحجية الإلكترونية

ورغم هذا الاعتراف التشريعي والقضائي الواسع بحجية المحررات الإلكترونية، فإن المشرّع القطري لم يجعل هذا الاعتراف مطلقاً، بل رسم له حدوداً واضحة بموجب المادة (3) من قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية، التي نصّت على عدم سريان أحكام القانون على بعض المحررات والمعاملات، وفي مقدمتها:

• المحررات والمستندات المتعلقة بمسائل الأسرة والأحوال الشخصية.

• الأوراق التجارية القابلة للتداول وفقاً لأحكام قانون التجارة.

• كما أجاز المشرّع لمجلس الوزراء، بناءً على اقتراح المجلس الأعلى، ولأسباب تتعلق بالمصلحة العامة، حذف بعض هذه الاستثناءات أو الإضافة إليها.

ويُفهم من هذا التنظيم أن الاستثناء يظل محصوراً في نطاقه الضيق، ولا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه، باعتبار أن الأصل هو خضوع المحررات الإلكترونية لقواعد الحجية، وأن الاستثناء يرد على سبيل الحصر لا التوسع.

أما استثناء مسائل الأسرة والأحوال الشخصية، فيعكس توجهاً تشريعياً واعياً بطبيعة هذه المنازعات وحساسيتها الاجتماعية والإنسانية، وحرصاً على إخضاعها لنظام إثبات خاص يراعي خصوصيتها، دون أن يعني ذلك إنكار القيمة الواقعية للمحررات الإلكترونية، وإنما حصر أثرها القانوني في هذا المجال ضمن الإطار الذي رسمه القانون.

وقد أكدت محكمة التمييز هذا الاتجاه في الطعن رقم 120 لسنة 2023، حين قررت أن قواعد الإثبات في مسائل الأسرة تخضع لنظام خاص مستمد من طبيعتها الشرعية والاجتماعية، وأنه لا يجوز التوسع في تطبيق قواعد الإثبات الإلكتروني عليها متى تعارض ذلك مع الضوابط التي تحكم هذا النوع من المنازعات، باعتبار أن المشرّع قصد إخراجها من نطاق قانون المعاملات الإلكترونية صراحةً، حمايةً للنظام العام الأسري، واستقراراً للروابط العائلية.

وقد انسجم قضاء محكمة التمييز مع هذا التوجّه، فاحترم حدود الاستثناء التشريعي، ولم يُعمل قواعد الحجية الإلكترونية في نطاق ما استثناه المشرّع صراحة، التزاماً بمبدأ المشروعية، وضماناً لاستقرار المراكز القانونية.

التوازن القضائي في التعامل مع الدليل الإلكتروني

ويُلاحظ من مجمل هذا الاتجاه أن القضاء القطري لم يتعامل مع المحررات الإلكترونية بوصفها دليلاً استثنائياً أو ضعيفاً، ولا بوصفها دليلاً مطلق القوة، بل وضعها في موقعها الطبيعي كدليل يخضع للتقدير القضائي، شأنه شأن سائر وسائل الإثبات، مع مراعاة خصوصيته التقنية.

ومن الناحية العملية، يترتب على هذا التوجه القضائي عدد من النتائج المهمة. فالشركات والمؤسسات مطالبة اليوم بإدارة مراسلاتها ومستنداتها الرقمية وفق معايير فنية قابلة للإثبات، كما أن الخبرة الفنية أصبحت عنصراً محورياً في النزاعات المتعلقة بالأدلة الإلكترونية. ولم يعد الإهمال في حفظ البيانات أو توثيقها مسألة إدارية، بل قد يتحول إلى نقطة ضعف قانونية مؤثرة في مسار النزاع.


تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.