لا شك أن قطاع المقاولات يُعد أحد الركائز الأساسية للاقتصاد وأداة رئيسية للتنمية الحديثة، نظرًا لدوره المحوري في تنفيذ المشروعات وتطوير البنية التحتية وتحريك الاستثمار، وما يرتبط به من تعدد الأطراف بين الدولة والشركات والأفراد. ومن ثمّ، فقد حظي هذا القطاع باهتمام تشريعي وتنظيمي كبير، باعتباره مجالًا تتقاطع فيه المصالح والالتزامات القانونية والاقتصادية، بما يستلزم إطارًا قانونيًا يحقق التوازن والاستقرار في المعاملات.

وانطلاقًا من هذه الأهمية، حرص المشرّع على تنظيم العلاقات القانونية الناشئة عن نشاط المقاولات تنظيمًا دقيقًا وشاملًا، بدءًا من عقد المقاولة باعتباره الإطار القانوني الذي يحدد حقوق والتزامات أطرافه، مرورًا بالأحكام الخاصة بمقاولات المباني والإنشاءات. وقد عرّف المشرّع عقد المقاولة بأنه عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين بأن يصنع شيئًا أو يؤدي عملًا للطرف الآخر لقاء أجر، وبموجب هذا التعريف يخضع عقد المقاولة بطبيعته للقواعد العامة المنظمة للعقود الملزمة للجانبين، وفي مقدمتها مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين، وعدم جواز تعديل الالتزامات أو نقضها بإرادة منفردة، فضلًا عن وجوب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية.

غير أن الإشكالية القانونية تبرز عندما يُخل المقاول بالتزامه بتنفيذ الأعمال دون سند قانوني يبرر ذلك، إذ أجاز المشرّع لرب العمل في هذه الحالة سلوك أحد طريقين لدفع الضرر اللاحق به. أولهما طلب فسخ العقد، بما يترتب عليه — متى تقرر — انقضاء العلاقة التعاقدية بين الطرفين بأثر رجعي، وتكمن الصعوبة حينئذ في تحديد الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض، إذ لا يعود العقد — بعد فسخه — صالحًا كأساس للمطالبة بالتعويض الاتفاقي، بما في ذلك غرامة التأخير، باعتبار أن الفسخ يؤدي إلى زوال الرابطة العقدية، ومن ثم يكون الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض هو قواعد المسؤولية التقصيرية، التي تقتضي إثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما.

أما الطريق الآخر الذي نظمه المشرّع فهو التنفيذ على نفقة المقاول، حيث أجاز لرب العمل أن يطلب من القضاء الترخيص له بتنفيذ الالتزامات التي أخل بها المقاول بنفسه أو عن طريق الغير وعلى نفقة الأخير، ويُعد ذلك صورة من صور التنفيذ بطريق التعويض مع بقاء العقد قائمًا ومنتجًا لآثاره القانونية. ويترتب على ذلك احتفاظ رب العمل بحقه في المطالبة بالتعويضات الاتفاقية المقررة بالعقد، بما في ذلك غرامة التأخير متى نص عليها، دون الحاجة إلى إثبات وقوع الضرر.

كما تجدر الإشارة إلى ما نظمه المشرّع من حق رب العمل في التحلل من عقد المقاولة بإرادته المنفردة وفقًا لنص المادة (707) من القانون المدني، إذ أجاز له وقف تنفيذ الأعمال قبل إتمامها ولو دون خطأ من جانب المقاول، على أن يلتزم في المقابل بتعويض المقاول عما أنفقه من مصروفات، وما أنجزه من أعمال، وما كان يستطيع كسبه لو أتم العمل، ويستند حق المقاول في هذه الحالة إلى النص القانوني مباشرة.

وختامًا، يتعين على رب العمل — متى ثبت إخلال المقاول بالتزاماته — أن يختار الوسيلة القانونية الأنسب لإنهاء العلاقة التعاقدية، بما يحقق مصلحته ويحفظ حقوقه، سواء من خلال الفسخ أو التنفيذ على نفقة المقاول أو التحلل من العقد، وذلك وفقًا لظروف كل حالة وما يترتب عليها من آثار قانونية.

تعرف على

المساهمون في كتابة المقال

No items found.